سيد محمد طنطاوي
187
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
هو المروي عن جمع من الصحابة ومن التابعين ، ولأن الأصل في العطف أنه يقتضى المغايرة . قال ابن العربي : أسد هذه الأقوال قول ابن عباس : نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر ، والمراد بالسكر الخمر ، فتكون هذه الآية منسوخة لأنها مكية باتفاق العلماء ، وتحريم الخمر مدني « 1 » . وقال صاحب تفسير آيات الأحكام بعد أن ذكر أدلة الأحناف ورد عليها : والحاصل أننا نرى أن الآية ليس فيها ما يشهد بالحل ، إذ الكلام في الامتنان بخلق الأشياء لمنافع الإنسان ، ولم تنحصر المنافع في حل التناول ، فقد قال اللَّه - تعالى - : في شأن الخمر : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ والْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنَّاسِ . . فهل انحصرت منافع السكر - على فرض أنه النبيذ - في الشرب ؟ « 2 » . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) * أي : في ذلك الذي ذكرناه لكم من إخراج اللبن من بين فرث ودم ، ومن اتخاذ السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب ، « لآية » باهرة ، ودلالة واضحة ، على قدرة اللَّه - تعالى - ووحدانيته ، « لقوم يعقلون » هذه التوجيهات الحكيمة ، فيدركون أن من يفعل كل ذلك وغيره ، هو المستحق للعبادة والطاعة « ألا له الخلق والأمر تبارك اللَّه رب العالمين » . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل - أيضا - على وحدانيته وقدرته ، عن طريق إخراج العسل الذي فيه شفاء للناس بواسطة حشرة ضعيفة وهي النحلة ، فقال - تعالى - : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 68 إلى 69 ] وأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً ومِنَ الشَّجَرِ ومِمَّا يَعْرِشُونَ ( 68 ) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُه فِيه شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 69 )
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 128 . ( 2 ) راجع تفسير آيات الأحكام ج 3 ص 52 لفضيلة الشيخ محمد على السائس - رحمه اللَّه .